محمد بن جرير الطبري

92

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية ، فقال بعضهم : عني بها : ولاة أمور المسلمين . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن أبي مكين ، عن زيد بن أسلم ، قال : نزلت هذه الآية : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها في ولاة الأمر . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : ثنا ليث ، عن شهر ، قال : نزلت في الأمراء خاصة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : ثنا إسماعيل ، عن مصعب بن سعد ، قال : قال علي رضي الله عنه : كلمات أصاب فيهن حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ، وأن يؤدي الأمانة أداء الأمانات ، وإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا جابر بن نوح ، قال : ثنا إسماعيل عن مصعب بن سعد ، عن علي بنحوه . حدثني محمد بن عبيد المحاربي ، قال : ثنا موسى بن عمير ، عن مكحول ، في قول الله : وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ قال : هم أهل الآية التي قبلها : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها إلى آخر الآية . حدثني يونس ، قال ؛ أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرنا ابن زيد ، قال : قال أبي زيد : هم الولاة ، أمرهم أن يؤدوا أداء الأمانات إلى أهلها . وقال آخرون : أمر السلطان بذلك أن يعطوا الناس أداء الأمانات . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها قال : يعني : السلطان يعطون الناس . وقال آخرون : الذي خوطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في مفاتيح الكعبة أمر بردها أداء الأمانات على عثمان بن طلحة . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها قال : نزلت في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ، قبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة ، ودخل بها البيت يوم الفتح ، فخرج وهو يتلو هذه الآية ، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح . قال : وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآية : فداؤه أبي وأمي ما سمعته يتلوها قبل ذلك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا الزنجي بن خالد ، عن الزهري ، قال : دفعه إليه وقال : أعينوه . وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال : هو خطاب من الله ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا في فيئهم وحقوقهم ، وما ائتمنوا عليه من أمورهم بالعدل بينهم في القضية . والقسم بينهم بالسوية ، يدل على ذلك ما وعظ به الرعية في : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فأمرهم بطاعتهم ، وأوصى الراعي بالرعية ، وأوصى الرعية بالطاعة . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ قال : قال أبي : هم السلاطين . وقرأ ابن زيد : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ألا ترى أنه أمر فقال : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وأداء الأمانات : هي الفيء الذي استأمنهم على جمعه وقسمه ، والصدقات التي استأمنهم على جمعها وقسمها . وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ الآية كلها فأمر بهذا الولاة ، ثم أقبل علينا نحن ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وأما الذي قال ابن جريج من أن هذه الآية نزلت في عثمان بن طلحة فإنه جائز أن تكون نزلت فيه ، وأريد به كل مؤتمن على أمانة فدخل فيه ولاة أمور المسلمين وكل مؤتمن على أمانة في دين أو دنيا ، ولذلك قال من قال : عني به قضاء الدين ورد حقوق الناس . كالذي : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ